فصل: تفسير الآية رقم (75):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير القرآن الكريم



.سورة ص:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

.تفسير الآية رقم (50):

{جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (50)}
تأمل قوله، كيف تجد تحته معنى بديعا؟ وهو أنهم إذا دخلوا الجنة لم تغلق أبوابها عليهم، بل تبقى مفتحة كما هي. وأما النار فإذا دخلها أهلها أغلقت عليهم أبوابها. كما قال تعالى: {إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ} [104: 8] أي مطبقة مغلقة. ومنه سمي الباب وصيدا. وهي مؤصدة في عمد ممددة قد جعلت العمد ممسكة للأبواب من خلفها. كالحجر العظيم الذي يجعل خلف الباب.
قال مقاتل: يعني أبوابها عليهم مطبقة. فلا يفتح لها باب، ولا يخرج منها غم. ولا يدخل فيها روح آخر الأبد.
وأيضا فإن في تفتيح الأبواب لهم إشارة إلى تصرفهم وذهابهم وإيابهم وتبوئهم في الجنة حيث شاؤوا، ودخول الملائكة عليهم كل وقت بالتحف والألطاف من ربهم، ودخول ما يسرهم عليهم كل وقت.
وأيضا فيه إشارة إلى أنها دار أمن، لا يحتاجون فيها إلى غلق الأبواب، كما كانوا يحتاجون إلى ذلك في الدنيا.
وقد اختلف أهل العربية في الضمير العائد من الصفة على الموصوف في هذه الجملة. فقال الكوفيون: التقدير مفتحة لهم أبوابها. والعرب تعاقب بين الألف واللام والاضافة، فيقولون: مررت برجل حسن العين، أي عينه. ومنه قوله تعالى: {فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى} أي مأواه.
وقال بعض البصريين: التقدير مفتحة لهم الأبواب منها. فحذف الضمير وما اتصل به.
قال: وهذا التقدير في العربية أجود من أن يجعل الألف واللام بدلا من الهاء والألف. لأن معنى الألف واللام ليس من معنى الهاء والألف في شيء. لأن الهاء والألف اسم، والألف واللام دخلتا للتعريف. فلا يبدل حرف من اسم، ولا ينوب عنه.
قالوا: وأيضا لو كانت الألف واللام بدلا من الضمير لوجب أن يكون في {مفتحة} ضمير الجنات، ويكون المعنى: مفتحة هي، ثم أبدل منها الأبواب ولو كان كذلك لوجب نصب الأبواب، لكون {مفتحة} قد رفع ضمير الفاعل فلا يجوز أن يرفع به اسم آخر، لامتناع ارتفاع فاعلين بفعل واحد.
فلما ارتفع {الأبواب} دل على أن {مفتحة} حال من ضمير، و{الأبواب} مرتفعة يه. وإذا كان في الصفة ضمير تعين نصب الثاني، كما تقول: مررت برجل حسن الوجه. ولو رفعت الوجه ونونت حسنا لم يجز. فالألف واللام إذا للتعريف ليس إلا، فلا بد من ضمير يعود على الموصوف الذي هو {جنات عدن} ولا ضمير في اللفظ. فهو محذوف، تقديره: الأبواب منها.
وعندي أن هذا غير مبطل لقول الكوفيين. فإنهم لم يريدوا بالبدل إلا أن الألف واللام خلف وعوض عن الضمير تغني عنه. وإجماع العرب على قولهم: حسن الوجه، وحسن وجهه: شاهد بذلك. وقد قالوا: إن التنوين بدل من الألف واللام، بمعنى أنهما لا يجتمعان، وكذلك المضاف إليه يكون بدلا من التنوين والتنوين بدلا من الاضافة بمعنى التعاقب والتوارد. ولا يريدون بقولهم: هذا بدل من هذا: أن معنى البدل معنى المبدل منه، بل قد يكون في كل منهما معنى لا يكون في الآخر.
فالكوفيون أرادوا أن الألف واللام في {الأبواب} أغنت عن الضمير أو قيل: أبوابها، وهذا صحيح. فإن المقصود الربط بين الصفة والموصوف بأمر يجعلها له، لا مستقلة. فلما كان الضمير عائدا على الموصوف نفي توهم الاستقلال وكذلك لام التعريف فإن كلا من الضمير واللام يعين صاحبه، هذا يعين مفسره وهذا يعين ما دخل عليه. وقد قالوا في زيد نعم الرجل: أن الألف واللام أغنت عن الضمير. واللّه أعلم.
وقد أعرب الزمخشري هذه الآية إعرابا اعترض عليه فيه. فقال: {جنات عدن} معرفة لقوله: {جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ} [19: 61] وانتصابها على أنها عطف بيان {لَحُسْنَ مَآبٍ} و{مفتحة} حال، والعامل فيها ما في (المتقين) من معنى الفعل. وفي {مفتحة} ضمير الجنات، والأبواب بدل من الضمير، تقديره: مفتحة هي الأبواب، كقولهم: ضرب زيد اليد والرجل. وهو من بدل الاشتمال. هذا إعرابه.
فاعترض عليه بأن {جنات عدن} ليس فيها ما يقتضي تعريفها. وأما قوله: {التي وعد الرحمن عباده} فبدل لا صفة. وبأن جنات عدن لا يسهل أن يكون عطف بيان لحسن مآب، على قوله. لأن جريان المعرفة على النكرة عطف بيان لا قائل به. فإن القائل قائلان. أحدهما: أنه لا يكون إلا في المعارف، كقول البصريين. والثاني: أنه يكون في المعارف والنكرات، بشرط المطابقة، كقول الكوفيين وأبي علي الفارسي.
وقوله: إن في {مفتحة} ضمير الجنات. فالظاهر خلافه. فإن الأبواب ترتفع به ولا ضمير فيه.
وقوله: إن {الأبواب} بدل اشتمال. فبدل الاشتمال قد صرح هو وغيره: أنه لابد فيه من الضمير. وإن نازعهم فيه آخرون، ولكن يجوز أن يكون الضمير ملفوظا به. وأن يكون مقدرا. وهاهنا لم يلفظ به. فلا بد من تقدير، أي الأبواب منها. فإذا كان التقدير: مفتحة لهم هي الأبواب منها: كان فيه تكثير للاضمار وتقليله أولى.

.تفسير الآية رقم (75):

{قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (75)}
إن لفظ اليد جاء في القرآن على ثلاثة أنواع. مفردا، ومثنى، ومجموعا.
فالمفرد: كقوله: {بِيَدِهِ الْمُلْكُ} [68: 1] والمثنى كقوله: {خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} والمجموع كقوله: {عَمِلَتْ أَيْدِينا}.
فحيث ذكر اليد مثناة. أضاف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد، وعدى الفعلى بالباء إليهما، وقال: {خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}.
وحيث ذكرها مجموعة أضاف الفعل إليها، ولم يعدّ الفعل بالباء.
فهذه ثلاثة فروق: فلا يحتمل {خلقت بيدي} من المجاز ما يحتمله {عَمِلَتْ أَيْدِينا} فإن كل أحد يفهم من قوله: {عَمِلَتْ أَيْدِينا} ما يفهمه من قوله: عملنا وخلقنا، كما يفهم ذلك من قوله: {فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} وأما قوله: {خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} فلو كان المراد منه مجرد الفعل لم يكن لذكر اليد بعد نسبة الفعل إلى الفاعل معنى فكيف وقد دخلت عليها الباء؟ فكيف إذا ثنيت؟ وسرّ الفرق أن الفعل قد يضاف إلى يد ذي اليد، والمراد الإضافة إليه. كقوله: {بِما قَدَّمَتْ يَداكَ} {فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} وأما إذا أضيف إليه الفعل، ثم عدي بالباء إلى اليد مفردة أو مثناة، فهو مما باشرته يده.
ولهذا قال عبد اللّه بن عمر: «إن اللّه لم يخلق بيده إلا ثلاثا خلق آدم بيده، وغرس جنة الفردوس بيده، وكتب التوراة بيده» فلو كانت اليد هي القدرة لم يكن لها اختصاص بذلك، ولا كانت لآدم فضيلة بذلك على كل شيء مما خلق بالقدرة.
وقد أخبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن: «أهل الموقف يأتونه يوم القيامة، فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك اللّه بيده».
وكذلك قال آدم لموسى في محاجته له: «اصطفاك اللّه بكلامه، وخطّ لك الألواح بيده» وفي لفظ آخر: «كتب لك التوراة بيده».
وهو من أصح الأحاديث. وكذلك الحديث المشهور: «أن الملائكة قالوا: يا رب خلقت بني آدم يأكلون ويشربون، وينكحون، ويركبون، فأجعل لهم الدنيا ولنا الأخرى، فقال اللّه تعالى: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي ونفخت فيه من روحي، كمن قلت له: كن فكان».
وهذا التخصيص إنما فهم من قوله: «خلقت بيديّ» فلو كان مثل قوله: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا} لكان هو والأنعام في ذلك سواء. فلما فهم المسلمون أن قوله: {ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [38: 75] يوجب له تخصيصا وتفضيلا بكونه مخلوقا باليدين على من أمر أن يسجد له، وفهم ذلك أهل الموقف حين جعلوه من خصائصه: كانت التسوية بينه وبين قوله: {أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً} [36: 71] خطأ محضا.

.سورة الزمر:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

.تفسير الآية رقم (29):

{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (29)}
هذا مثل ضربه اللّه سبحانه للمشرك والموحد. فالمشرك بمنزلة عبد يملكه جماعة متنازعون، مختلفون متشاحّون.
والرجل الشّكس: الضيق الخلق. فالمشرك لما كان يعبد آلهة شتّى شبه بعبد يملكه جماعة متنافسون في خدمته، لا يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين.
والموحد لما كان يعبد اللّه وحده فمثله كمثل عبد لرجل واحد، قد سلم له، وعلم مقاصده، وعرف الطريق إلى رضاه. فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه، بل هو سالم لمالكه من غير تنازع فيه، مع رأفة مالكه به، ورحمته له، وشفقته عليه، وإحسانه إليه، وتوليه لمصالحه فهل يستوي هذان العبدان؟
وهذا من أبلغ الأمثال. فإن الخالص لمالك واحد يستحق من معونته وإحسانه والتفاته إليه وقيامه بمصالحه ما لا يستحق صاحب الشركاء المتشاكسين {الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ}.

.تفسير الآية رقم (62):

{اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)}
احتج المعتزلة على خلق القرآن بقوله تعالى: {خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} ونحو ذلك من الآيات.
فأجاب الأكثرون: بأنه عام مخصوص، يختص محل النزاع، كسائر الصفات: من العلم والنحو.
قال ابن عقيل في الإرشاد: ووقع نحو لي هذا أن القرآن لا تتناوله هذه الأخبار، ولا تصلح لتناوله، قال: لأن به حصل عقد الإعلام بكون اللّه خالقا لكل شيء، وما حصل به عقد الأعلام والإخبار لم يكن داخلا تحت الخبر. قال: ولو أن شخصا قال: لا أتكلم اليوم كلاما إلا كذبا. لا يدخل إخباره بذلك تحت ما أخبر به.
قلت: ثم تدبرت هذا فوجدته مذكورا في قوله في قصة مريم: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} [19: 26] وإنما أمرت بذلك لئلا تسأل عن ولدها. فقولها: {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} به يحصل إخبارها بأنها لا تكلم الإنس، ولم يكن ما أخبرت به داخلا تحت الخبر، وإلا كان قولها مخالفا لنذرها.

.تفسير الآية رقم (73):

{وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (73)}
عقّب دخولها على الطيب بحرف الفاء، الذين يؤذن بأنه سبب للدخول، أي بسبب طيبكم قيل لكم: ادخلوها- فإنها دار الطبيين لا يدخلها إلا طيب.
وقال في حادي الأرواح:قال لأهل الجنة: {حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها} بالواو.
وقال في صفة النار: {حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها} بغير واو.
فقالت طائفة: هذه واو الثمانية. دخلت في أبواب الجنة لكونها ثمانية، وأبواب النار سبعة، فلم تدخلها الواو. وهذا قول ضعيف لا دليل عليه، ولا تعرفه العرب، ولا أئمة العربية. وإنما هو من استنباط بعض المتأخرين.
وقالت طائفة أخرى: الواو زائدة. والجواب الفعل الذي بعدها، كما هو في الآية الثانية. وهذا أيضا ضعيف. فإن زيادة الواو غير معروف في كلامهم، ولا يليق بأسفه الكلام أن يكون فيه حرف زائد لغير معنى ولا فائدة.
وقالت طائفة ثالثة: الجواب محذوف.
وقوله: {وَفُتِحَتْ أَبْوابُها} عطف على قوله: {جاؤُها} وهذا اختيار أبي عبيدة والمبرد والزجاج وغيرهم.
قال المبرد: وحذف الجواب أبلغ عند أهل العلم.
وقال أبو الفتح ابن جنّي: وأصحابنا يدفعون زيادة الواو، ولا يجيزونه، ويرون أن الجواب محذوف للعلم به.
بقي أن يقال: فما السر في حذف الجواب في آية أهل الجنة، وذكره في آية أهل النار؟
فيقال: هذا أبلغ في الموضعين. فإن الملائكة تسوق أهل النار إليها، وأبوابها مغلقة، حتى إذا وصلوا إليها فتحت في وجوههم، فيفجؤهم العذاب بغتة فحين انتهوا إليها فتحت أبوابها بلا مهلة. فإن هذا شأن الجزاء المرتب على الشرط: أن يكون عقيبه. والنار دار الإهانة والخزي، فلم يستأذن لهم في دخولها، ويطلب إلى خزنتها أن يمكنوهم من الدخول. وأما الجنة فإنها دار اللّه، ودار كرامته، ومحل خواصه وأوليائه، فإذا انتهوا إليها صادفوا أبوابها مغلقة، فيرغبون إلى صاحبها ومالكها أن يفتتحها ويستشفعون إليه بأولي العزم من رسله، وكلهم يتأخر عن ذلك حتى تقع الدلالة على خاتمهم وسيدهم وأفضلهم. فيقول (أنا لها) فيأتي إلى تحت العرش ويخر ساجدا حربه فيدعه ربه ساجدا ما شاء أن يدعه ثم يأذن له في رفع رأسه، وأن يسأل حاجته، فيشفع إليه سبحانه في فتح أبوابها، فيشفعه، ويفتحها تعظيما لخاطرها، وإظهارا لمنزلة رسوله وكرامته عليه، وأن مثل هذه الدار التي هي دار ملك الملوك ورب العالمين إنما يدخل إليها بعد تلك الأهوال العظيمة، التي أولها من حين عقل العبد في هذه الدار إلى أن انتهى إليها، وما ركبه من الأطباق طبقا بعد طبق، وقاساه من الشدائد شدة بعد شدة، حتى أذن اللّه تعالى لخاتم أنبيائه ورسله، وأحب خلقه إليه أن يشفع إليه في فتحها لهم. وهذا أبلغ وأعظم في تمام النعمة وحصول الفرح والسرور مما يقدّر بخلاف ذلك، لئلا ينوهم الجاهل أنها بمنزلة الخان الذي يدخله من شاء. فجنة اللّه عالية غالية، وبين الناس وبينها من العقبات والمفاوز والأخطار ما لا تنال إلّا به. فما لمن أتبع نفسه هواها وتمنى على اللّه الأماني ولهذه الدار؟ فليعد عنها إلى ما أولى به. وقد خلق له وهيئ له.
وتأمل ما في سوق الفريقين إلى الدارين زمرا: من فرحة هؤلاء بإخوانهم وسيرهم معهم، كل زمرة على حدة، كمشتركين في عمل متصاحبين فيه على زمرتهم وجماعتهم، مستبشرين أقوياء القلوب، كما كانوا في الدنيا وقت إجماعهم على الخير كذلك يؤنس بعضهم بعضا، ويفرح بعضهم ببعض. وكذلك أصحاب الدار الأخرى: النار يساقون إليها زمرا يلعن بعضهم بعضا، ويتأذى بعضهم ببعض. وذلك أبلغ في الخزي والفضيحة والهتيكة. من أن يساقوا واحدا واحدا.
فلا تهمل وتدبر قوله: {زُمَراً} وقول خزنة الجنة لأهلها: {سَلامٌ عَلَيْكُمْ}
فبدءوهم بالسلام المتضمن للسلامة من كل شر ومكروه، أي سلمتم فلا يلحقكم بعد اليوم ما تكرهون، ثم قالوا لهم: {طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ} أي سلامتكم ودخولكم الجنة بطيبكم، فإن اللّه حرمها إلا على الطيبين، فبشروهم بالسلامة والطيب، والدخول والخلود.
أما أهل النار فإنهم حين انتهوا إليها على تلك الحال من الهم والغم والحزن، فتحت لهم أبوابها وقفوا عليها، وزيدوا على ما هم عليه: توبيخ خزنتها وتبكيتهم لهم بقولهم: {أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا} فاعترفوا وقالوا: {بلى} فبشروهم بدخول النار والخلود فيها، وأنها بئس المثوى والمآب لهم.
وتأمل قول خزنة الجنة لأهلها: {ادخلوها} وقول خزنة النار لأهلها: {ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ} تجد تحته سرا لطيفا، ومعنى بديعا، لا يخفى على المتأمل. وهو أنه لما كانت النار دار العقوبة وأبوابها أفظع شيء وأشده حرا، وأعظمه غما، يستقبل الداخل فيها من العذاب ما هو أشد منها، ويدنو من الغم والخزي والحزن والكرب بدخول الأبواب. فقيل: {ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ} صغارا لهم، وإذلالا وخزيا. ثم قيل لهم: لا يقتصر بكم العذاب على مجرد دخول الأبواب الفظيعة، ولكن وراءها الخلود في النار.